اصبح الحمل في سن متأخر، وتحديداً بعد بلوغ الأربعين من العمر، ظاهرة متزايدة في المجتمعات الحديثة لأسباب اجتماعية ومهنية وشخصية متعددة. ورغم أن التقدم الطبي قد جعل هذا الأمر ممكناً وآمناً نسبياً، إلا أن الجوانب البيولوجية لجسد المرأة تجعل هذا الحمل يصنف ضمن فئة “الحمل عالي الخطورة” (High-Risk Pregnancy)، ويتطلب وعياً وإشرافاً طبياً مكثفاً.
مع تقدم المرأة في العمر، تنخفض الخصوبة بشكل طبيعي وتدريجي، ويصبح تحقيق الحمل أمراً أكثر صعوبة منها
انخفاض مخزون المبيض وجودة البويضات: تولد المرأة بعدد محدد من البويضات يقل تدريجياً مع العمر. في سن الأربعين، يكون مخزون البويضات المتبقي أقل بكثير. الأهم من ذلك، تزداد احتمالية أن تحمل البويضات المتبقية اختلالات في الكروموسومات بسبب “شيخوخة” البويضة، مما يقلل من فرص الإخصاب الناجح أو يزيد من مخاطر الإجهاض والعيوب الخلقية.
ارتفاع معدلات الإجهاض: بسبب انخفاض جودة البويضات وزيادة الاختلالات الكروموسومية، ترتفع نسبة الإجهاض بشكل ملحوظ.
تتراوح مخاطر الإجهاض في سن الأربعين بين 33% إلى 40%، وهي نسبة أعلى بكثير من النساء الأصغر سناً .
المخاطر والمضاعفات الصحية للأم والجنين :
يزيد عمر الأم المتقدم من خطر حدوث مجموعة من المضاعفات الصحية أثناء الحمل والولادة:
مخاطر على الأم:-
•ارتفاع ضغط الدم وسكري الحمل: تزداد احتمالية الإصابة بارتفاع ضغط الدم وتسمم الحمل (Pre-eclampsia)، بالإضافة إلى سكري الحمل (Gestational Diabetes)، وهي حالات تتطلب مراقبة دقيقة ومكثفة لتجنب المضاعفات الخطيرة.
•مشاكل المشيمة: يزداد خطر حدوث المشيمة المنزاحة (Placenta Previa)، حيث تغطي المشيمة عنق الرحم جزئياً أو كلياً، مما قد يسبب نزيفاً حاداً ويتطلب ولادة قيصرية.
•الولادة القيصرية: ترتفع معدلات اللجوء إلى الولادة القيصرية في هذه الفئة العمرية مقارنة بالنساء الأصغر سناً.
مخاطر على الجنين :-
اضطرابات الكروموسومات: هذا هو الخطر الأكثر شيوعاً ويزداد بشكل كبير مع عمر الأم.
متلازمة داون (Down Syndrome): يزداد خطر إنجاب طفل مصاب بمتلازمة داون (اضطراب في الكروموسوم 21) مع تقدم عمر الأم.
خطر الإصابة بمتلازمة داون يكون حوالي 1 من كل 85 حالة حمل في سن 40، بينما يكون 1 من كل 1250 في سن 20 .
•الولادة المبكرة وانخفاض الوزن: يزداد احتمال حدوث الولادة المبكرة (قبل الأسبوع 37)، مما قد يؤدي إلى انخفاض وزن الطفل عند الولادة ومشاكل صحية أخرى.
ولادة الجنين ميتاً (Stillbirth): ترتفع احتمالية هذه الحالة بشكل طفيف.
على الرغم من التحديات، لا يزال الحمل بعد الأربعين ممكناً وآمناً في كثير من الحالات، خاصة مع الوعي والمتابعة:
تقنيات الإخصاب المساعد (ART): يمكن التغلب على صعوبات الحمل من خلال تقنيات مثل التلقيح الصناعي (IVF) أو الحقن المجهري (ICSI).
الفحوصات الجينية المتقدمة: تتوفر فحوصات متقدمة للكشف عن اضطرابات الكروموسومات مبكراً، مثل:
•فحص الحمض النووي للجنين من دم الأم (NIPT): فحص غير جراحي يمكن إجراؤه بعد الأسبوع العاشر.
•فحص السائل الأمنيوسي أو فحوصات تشخيصية أكثر دقة (لكنها تحمل خطراً بسيطاً).
الحمل بعد سن الأربعين يمثل تحدياً بيولوجياً يتطلب رعاية فائقة. المفتاح لنجاح الحمل هو المتابعة الطبية المنتظمة والمكثفة التي تبدأ قبل حدوث الحمل، وتتضمن:
الاستعداد قبل الحمل: مراجعة طبيب النساء لمناقشة التاريخ الصحي، وإجراء الفحوصات اللازمة (هرمونات، وظائف الغدة الدرقية والكلى)، والبدء بتناول حمض الفوليك والمكملات.
نمط الحياة الصحي: الحفاظ على وزن صحي، تناول طعام متوازن، وممارسة الرياضة، وتجنب التدخين والكافيين المفرط.
الكاتب : استشاري النساء والتوليد والحقن المجهري


