موقع مصر الإخباري
مقالات الرأي

ماهيتاب عبد السلام تكتب :الاستغناء

في لحظة ما من الحياة، يكتشف الإنسان أن الراحة لا تأتي من كثرة ما يملك، بل من قدرته على الاختيار. الاختيار الحقيقي يبدأ حين يفهم أن بعض الأشياء التي اعتاد وجودها كانت تستنزف طاقته وأصبحت عبئًا نفسيًا و جسديًا. هنا يظهر معنى الاستغناء، ليس كخسارة، بل كخطوة ضرورية نحو التوازن. هذه اللحظة لا تكون نتيجة موقف واحد، بل حصيلة تراكمات طويلة من الشعور بعدم الارتياح، ومحاولات متكررة للتأقلم مع ما لا يناسب النفس

هناك علاقات قائمة على الكلام فقط، دون أفعال حقيقية عند الحاجة. يظهر أصحاب هذه العلاقات في أوقات الراحة و يغيبون عندما يحتاج الشخص إلى الدعم والتفهم. الاستغناء عن هذا النوع من العلاقات لا يعني إنكار الماضي، لكنه اعتراف صريح بأن الحاضر لم يعد مقبولًا، وأن استمرار هذه الروابط يثقل النفس دون فائدة. وقد يشمل ذلك الأشخاص الموجودين بالاسم فقط، الذين وقت الجد لا يقدمون الدعم ولا يضرون أيضًا، ويصبح وجودهم مجرد زحمة. الاستغناء هنا يصبح ضرورة نفسية، وليس خيارًا
يتطلب الاستغناء إعادة النظر في الدور الذي اعتاده الشخص داخل علاقاته؛ مثل دور المُرضي للجميع، أو المستمع الدائم، أو المتنازل باستمرار. التخلي عن هذا الدور قد يغير شكل العلاقات من حوله، وقد يؤدي إلى انسحاب بعض الأشخاص تلقائيًا. هذا الانسحاب، على الرغم من أنه قد يبدو مؤلمًا في البداية، إلا أنه حقيقة تلك الروابط من كان مرتبطًا بالدور فقط، وليس بالشخص نفسه

الاستغناء لا يقتصر على العلاقات فقط، بل يشمل كذلك الأحلام و الطموحات التي تضغط على النفس في مرحلة معينة قد تحتاج إلى التأجيل، ليس لضعف الإنسان، بل لأن التوقيت أحيانًا أهم من الحلم نفسه، والضغط النفسي المستمر على الذات لا يساعد على النمو، بل في بعض الأحيان يؤدي إلى الاستنزاف،يشمل أيضًا القرارات الحياتية اليومية. المشاوير أو الالتزامات التي لن تعود بالسعادة أو الرضا يمكن التخلي عنها، طالما أن لديك القدرة على قول “لا”، فهذه الكلمة ليست أنانية، بل حق طبيعي يحمي طاقتك النفسية

الاستغناء في العلاقات الاجتماعية من أكثر القرارات النفسية تعقيدًا، لأن العلاقات ترتبط بالمشاعر والذكريات. كثير من الناس يستمرون في علاقات لا تمنحهم الأمان أو التقدير، بدافع الخوف من الوحدة أو من كسر الروتين الاجتماعي. إلا أن النفس مع الوقت ترسل إشارات واضحة، مثل الإرهاق الدائم بعد اللقاءات، أو الشعور بالتوتر قبل التواصل، أو الحاجة المستمرة لتبرير السلوكيات المؤذية. تجاهل هذه الإشارات قد يؤدي إلى استنزاف نفسي تدريجي يصعب ملاحظته في بدايته، وعندما يبدأ الإنسان بمراجعة دوره داخل علاقاته، يلاحظ أنه يعطي أكثر مما يتلقى، ويصبر أكثر مما ينبغي، ويبرر للآخرين على حساب ذاته. هذا النمط من العلاقات قد يبدو مقبولًا اجتماعيًا، لكنه نفسيًا غير متوازن. الاستغناء هنا لا يعني القطيعة المفاجئة، بل قد يبدأ بتقليل التفاعل، أو إعادة رسم الحدود، أو التوقف عن أداء أدوار مفروضة لم تعد مناسبة

الاستغناء في العلاقات والحياة ليس علامة على القسوة أو البرود، بل دليل على نضج نفسي وفهم عميق للنفس. هو اختيار واعٍ لتقليل كل ما يستهلك الطاقة دون مقابل، والاقتراب من علاقات والتزامات وأهداف أكثر اتزانًا و احترامًا للنفس،كما أنه يفتح المجال لإعادة ترتيب الحياة بشكل متوازن، بحيث تصبح خياراته اليومية أكثر انسجامًا مع قيمه واحتياجاته النفسية، ويصبح قادرًا على التعامل مع الناس والأحداث بوعي أكبر وهدوء داخلي أكثر

في الاستغناء تكمن القدرة الحقيقية علي الشفاء والتحرر من كل ما يثقل روحك…..

الكاتبه فنانه تشكيليه

المزيد من الأخبار

جار التحميل....
موقع مصر
بوابة موقع مصر - أخبار مصر

يستخدم موقع مصر ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق إقرأ المزيد