لا شك ان التخصص هو اساس الابداع، وان النهضة والحضارة لم تقما الا على فكرة التخصص وتقسيم العمل. فلا يوجد طبيب يعالج كل شيء، ولا محام يترافع في كل القضايا ، ولا مهندس يصمم الكباري ويحسب خرائط الغاز في الوقت نفسه. الجميع يبدأ متدرجا، يتعلم، يخطئ، يصحح، ثم يتقن، وبعدها فقط يقال عنه خبير.
الا في مهنة التدريب في مصر، حيث تسقط فجأة كل قواعد التخصص، وتذوب الحدود بين العلوم، ويصبح المدرب كائنا موسوعيا خارقا. تجده مدرب تنمية بشرية صباحا، وخبير سياسة دولية ظهرا، واستاذ قانون دولي مساء، وربما محلل استراتيجي بعد العشاء، وكل ذلك في دورة واحدة وبعرض باوربوينت واحد.
العجيب ان هذا المدرب لم يدرس السياسة، ولم يمارس العمل فعليا بالقانون، ولم يقترب يوما من المؤسسات الدولية، لكنه يمتلك شيئا اخطر من الشهادات والخبرة، وهو الثقة المطلقة في النفس والقدرة على التحدث بثبات عن اي شيء. يتكلم عن الامم المتحدة كأنه اسسها، وعن القانون الدولي كانه شارك في صياغته، وعن العلاقات الدولية وكأنه يوزع الاحلاف بيده.
وفي الوقت الذي يخضع فيه الطبيب والمحاسب والمهندس لاختبارات وترخيص ومحاسبة، يكتفي المدرب بشهادة حضور دورة اخرى، ثم يخرج ليعلم الناس كيف يفهمون العالم ويغيرونه في ساعتين تدريب، مع استراحة قهوة وبسكويت وربما غداء فاخر إذا كانت الجهه المانحة سخية.
وهكذا لم تعد مشكلة التخلف في قلة التخصص، بل في وفرة المدربين بتوع كله ، الذين يعرفون كل شيء الا شيئا واحدا فقط: ان التخصص ليس رفاهية، بل هو الحد الادنى للاحترام العقلي.


