اليوم، نستذكر أحد أبرز أعلام التاريخ الحديث، محمد علي باشا، الذي وافق رحيله 13 رمضان 1265هـ، الموافق 2 أغسطس 1849م. 🇪🇬 هذا الرجل الاستثنائي غيّر ملامح مصر ووضع أسسها الحديثة، ليترك وراءه إرثًا ما زال تأثيره حاضرًا حتى يومنا هذا.
محمد علي لم يكن مجرد حاكم عابر، بل كان رجل دولة صاحب رؤية ثاقبة، وضع حجر الأساس لمصر الحديثة من خلال إصلاحات شاملة غطت التعليم، الجيش، الزراعة، والصناعة.
في هذا التقرير، نأخذكم في جولة عبر مسيرته وإنجازاته التي شكّلت نقطة تحول في تاريخ مصر. تابعوا معنا لتعرفوا المزيد عن حياة هذا القائد الذي صنع فرقًا كبيرًا
وافته المنية في قصر رأس التين بالإسكندرية، بعد وفاة نجله ووريثه إبراهيم باشا بأشهر قليلة، ليترك خلفه إرثًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، كان له الأثر الأكبر في تاريخ مصر والمنطقة، تم نقل جثمانه من الإسكندرية إلى مسجده بقلعة صلاح الدين بالقاهرة، ليُدفن في المكان الذي بناه ليكون شاهدًا على مجده.
لكن كيف كانت مسيرة محمد علي باشا؟ وما الظروف التي أحاطت بحياته وحكمه ووفاته؟ هذا ما سنستعرضه في التقرير التالي.
حياة محمد علي باشا: من التجنيد إلى حكم مصر
النشأة والبدايات
وُلد محمد علي باشا في مدينة قَولة بمقدونيا (اليونان حاليًا) عام 1769م، لأسرة ألبانية مسلمة. بدأ حياته في مجال التجارة، لكنه سرعان ما التحق بالخدمة العسكرية في الدولة العثمانية، حيث برع في القيادة والإدارة.
قدومه إلى مصر (1801-1805م)
وصل محمد علي إلى مصر عام 1801م ضمن الحملة العثمانية لاستعادة البلاد من الفرنسيين بعد خروج نابليون بونابرت، برز بسرعة بين القادة العسكريين، واستطاع كسب دعم الشعب والقيادات المحلية، مستغلًا الصراعات بين المماليك والعثمانيين، وبحلول عام 1805م، وبفضل تأييد العلماء والزعماء، خاصة عمر مكرم، تم تعيينه واليًا على مصر بأمر السلطان العثماني سليم الثالث.
إصلاحات محمد علي ونهضة مصر الحديثة
الإصلاح العسكري وتأسيس جيش حديث
أسس جيشًا نظاميًا قويًا على الطراز الأوروبي، مستعينًا بالخبرات الفرنسية.
أنشأ المدارس العسكرية وأرسل البعثات العلمية إلى أوروبا.
بنى الأسطول المصري، الذي أصبح أحد أقوى الأساطيل في البحر المتوسط.
النهضة الاقتصادية
تبنى سياسة الاحتكار لتنظيم الإنتاج الزراعي والصناعي.
أدخل زراعة القطن طويل التيلة، مما أدى إلى ازدهار الاقتصاد المصري.
أنشأ المصانع الوطنية، مثل مصانع الغزل والنسيج والسكر والمدافع.
الإصلاح التعليمي والثقافي
أرسل بعثات دراسية إلى فرنسا بقيادة رفاعة الطهطاوي.
أنشأ المدارس الحديثة، مثل مدرسة الطب ومدرسة المهندسخانة.
دعم حركة الترجمة ونقل العلوم الأوروبية إلى مصر.
المشروعات العمرانية والبنية التحتية
– حفر الترع وشق القنوات، مثل ترعة المحمودية.
– بنى القصور والمساجد، ومن أهمها مسجد محمد علي بقلعة صلاح الدين.
– أسس مدينة حلوان كمركز للراحة والاستشفاء.
الحملات العسكرية والتوسع الإقليمي
– حملاته ضد الوهابيين (1811-1818م)
أرسل محمد علي جيشه بقيادة ابنه طوسون باشا، ثم إبراهيم باشا، إلى الجزيرة العربية للقضاء على الدولة السعودية الأولى، وتمكن من تحقيق ذلك عام 1818م.
– حروبه ضد السودان (1820-1822م)
قاد حملة عسكرية لضم السودان إلى مصر، لتوسيع نفوذه والسيطرة على الموارد الطبيعية، خاصة الذهب والعبيد.
– التدخل في حرب اليونان (1824-1827م)
أرسل أسطوله لمساعدة الدولة العثمانية ضد الثورة اليونانية، لكنه انسحب بعد تدخل القوى الأوروبية.
– حملاته ضد الدولة العثمانية (1831-1841م)
شن حملة ضد السلطان العثماني، واستولى على سوريا وفلسطين ولبنان والأناضول، حتى اقترب من إسطنبول، لكن القوى الأوروبية أجبرته على الانسحاب بموجب معاهدة لندن 1841م، التي قيدت نفوذه.
الشيخوخة والانهيار الصحي
– التراجع السياسي
بعد معاهدة لندن 1841م، اضطر محمد علي إلى تقليص طموحاته العسكرية، والتخلي عن العديد من إصلاحاته بسبب الضغوط الأوروبية والديون المتراكمة.
– وفاة إبراهيم باشا (1848م)
كان إبراهيم باشا، أكبر أبناء محمد علي، هو القائد الأبرز في الجيش المصري، لكنه توفي فجأة عام 1848م، مما كان صدمة كبيرة لمحمد علي، الذي بدأ يعاني من الزهايمر والخرف في سنواته الأخيرة.
– الوفاة (2 أغسطس 1849م – 13 رمضان 1265هـ)
توفي محمد علي في قصر رأس التين بالإسكندرية، وتم نقل جثمانه إلى القاهرة، حيث دُفن في مسجده بقلعة صلاح الدين، ليكون رمزًا خالدًا لعصره.
إرث محمد علي باشا وتأثيره على مصر
إيجابيات حكمه
وضع أسس الدولة الحديثة في مجالات الجيش، والتعليم، والصناعة.
نهضة زراعية وصناعية غير مسبوقة.
إصلاحات إدارية وسياسية جعلت مصر شبه مستقلة عن العثمانيين.
سلبيات حكمه
– الحكم المطلق واعتماده على القوة العسكرية.
– فرض الضرائب الباهظة على الفلاحين.
– الاعتماد على نظام الاحتكار الذي قيد حرية الاقتصاد.
كان محمد علي باشا شخصية استثنائية في تاريخ مصر، حيث تمكن من تحويلها من ولاية عثمانية ضعيفة إلى دولة قوية ذات نهضة شاملة، رغم الجدل حول سياساته، فإن إنجازاته تظل ماثلة في وجدان المصريين، إذ وضع اللبنات الأولى لمصر الحديثة، وهو الإرث الذي لا يزال يؤثر على حاضر البلاد ومستقبلها.